محمد متولي الشعراوي

468

تفسير الشعراوي

يقتضى أن يقال واشربوا حب العجل . . ولكن الذي يتكلم هو اللّه . . يريد أن يعطينا الصورة الواضحة الكاملة في أنهم أشربوا العجل ذاته أي دخل العجل إلى قلوبهم . لكن كيف يمكن أن يدخل العجل في هذا الحيز الضيق وهو القلب . . اللّه سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى الشيوع في كل شئ بكلمة أشربوا . . لأنها وصف لشرب الماء والماء يتغلغل في كل الجسم . . والصورة تعرب عن تغلغل المادية في قلوب بني إسرائيل حتى كأن العجل دخل في قلوبهم وتغلغل كما يدخل الماء في الجسم مع أن القلب لا تدخله الماديات . ويقول الحق جل جلاله : « وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ » . . كأن الكفر هو الذي أسقاهم العجل . . هم كفروا أولا . . وبكفرهم دخل العجل إلى قلوبهم وختم عليها . . وقوله تعالى : « قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » . . هم قالوا نؤمن بما أنزل علينا ولا نؤمن بما جاء بعده . . قل هل إيمانكم يأمركم بهذا ؟ . . وهذا أسلوب تهكم من القرآن الكريم عليهم . . مثل قوله تعالى : أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ( من الآية 56 سورة النمل ) هل الطهر والطهارة مبرر لإخراج آل لوط من القرية ؟ . . طبعا لا . . ولكنه أسلوب تهكم واستنكار . . والحق أن إيمانهم لا يأمرهم بهذا بل يأمرهم بالإيمان برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . . وإقرأ قوله تبارك وتعالى : وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ( 156 ) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 157 )